فصل: قال سيد قطب:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والمعنى: أو لم يأتهم ما في الصحف الأولى مبينًا، وهذا على ما يقتضيه الجواز النحوي وإن لم تقع القراءة به.
{وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ} أي من قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم أو من قبل إتيان البينة لنزول القرآن {لَقَالُواْ} يوم القيامة {رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} أي هلا أرسلت إلينا رسولًا في الدنيا {فَنَتَّبِعَ ءاياتك} التي يأتي بها الرسول {مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ} بالعذاب في الدنيا {ونخزى} بدخول النار، وقرىء: {نذلّ ونخزى} على البناء للمفعول.
وقد قطع الله معذرة هؤلاء الكفرة بإرسال الرسول إليهم قبل إهلاكهم؛ ولهذا حكى الله عنهم أنهم: {قَالُواْ بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَىْء} [الملك: 9].
{قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبّصٌ فَتَرَبَّصُواْ} أي قل لهم يا محمد كل واحد منا ومنكم متربص، أي منتظر لما يؤول إليه الأمر فتربصوا أنتم {فَسَتَعْلَمُونَ} عن قريب {مَنْ أصحاب الصراط السوي} أي فستعلمون بالنصر والعاقبة من هو من أصحاب الصراط المستقيم {وَمَنِ اهتدى} من الضلالة ونزع عن الغواية، و{من} في الموضعين في محل رفع بالابتداء.
قال النحاس: والفراء يذهب إلى أن معنى {مَنْ أصحاب الصراط السوي}: من لم يضلّ، وإلى أن معنى {مَّنِ اهتدى}: من ضلّ ثم اهتدى وقيل: {من} في الموضعين في محل نصب، وكذا قال الفراء.
وحكي عن الزجاج أنه قال: هذا خطأ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وقرأ أبو رافع: {فسوف تعلمون} وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري: {السوى} على فعلى، وردت هذه القراءة بأن تأنيث الصراط شاذ وقيل: هي بمعنى الوسط والعدل.
وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ}: ألم نبين لهم.
{كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون يَمْشُونَ فِي مساكنهم} نحو عاد وثمود ومن أهلك من الأمم.
وفي قوله: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} يقول: هذا من مقاديم الكلام، يقول: لولا كلمة وأجل مسمى لكان لزامًا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ نحوه.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: الأجل المسمى: الكلمة التي سبقت من ربك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {لَكَانَ لِزَامًا} قال: موتًا.
وأخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ} الآية قال: هي الصلاة المكتوبة.
وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن جرير عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس} قال: قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، {وقبل غروبها} صلاة العصر وفي الصحيحين وغيرهما من حديث جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا»، وقرأ {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}.
وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي عن عمارة بن رؤبة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» وأخرج ابن أبي شيبة وابن راهويه والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والخرائطي وأبو نعيم عن أبي رافع قال: أضاف النبيّ صلى الله عليه وسلم ضيفًا ولم يكن عند النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يصلحه، فأرسلني إلى رجل من اليهود: أن بعنا أو أسلفنا دقيقًا إلى هلال رجب، فقال: لا إلا برهن، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض، ولئن أسلفني أو باعني لأدّيت إليه، اذهب بدرعي الحديد» فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} كأنه يعزيه عن الدنيا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا» قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: «بركات الأرض» وأخرج ابن مردويه وابن عساكر وابن النجار عن أبي سعيد الخدريّ قال: لما نزلت: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة} كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يجيء إلى باب عليّ صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول: «الصلاة رحمكم الله {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرًا}» [الأحزاب: 33].
وأخرج ابن مردويه عن أبي الحمراء نحوه.
وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ثابت، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله: يا أهلاه صلوا صلوا»، قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة.
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب بإسناد.
قال السيوطي: صحيح، عن عبد الله بن سلام قال: «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بأهله شدّة أو ضيق أمرهم بالصلاة، وقرأ {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة} الآية». اهـ.

.قال سيد قطب:

{كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99)}.
بدأت السورة بالحديث عن القرآن، وأنه لم ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم ليشقى به أو بسببه. ومن القرآن قصة موسى عليه السلام وما يبدو فيها من رعاية الله وعنايته بموسى وأخيه وقومه.
فالآن يعقب السياق على القصة بالعودة إلى القرآن ووظيفته، وعاقبة من يعرض عنه. ويرسم هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة، تتضاءل فيه أيام الحياة الدنيا؛ وتتكشف الأرض من جبالها وتعرى، وتخشع الأصوات للرحمن، وتعنو الوجوه للحي القيوم. لعل هذا المشهد وما في القرآن من وعيد يثير مشاعر التقوى في النفوس، ويذكرها بالله ويصلها به.. وينتهي هذا المقطع بإراحة بال الرسول صلى الله عليه وسلم من القلق من ناحية القرآن الذي ينزل عليه، فلا يعجل في ترديده خوف أن ينساه، ولا يشقى بذلك فالله ميسره وحافظه. إنما يطلب من ربه أن يزيده علمًا.
وبمناسبة حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يردد ما يوحى إليه قبل انتهاء الوحي خشية النسيان، يعرض السياق نسيان آدم لعهد الله. وينتهي بإعلان العداوة بينه وبين إبليس، وعاقبة من يتذكرون عهد الله ومن يعرضون عنه من ولد آدم. ويرسم هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة كأنما هو نهاية الرحلة التي بدأت في الملأ الأعلى، ثم تنتهي إلى هناك مرة أخرى.
وتختم السورة بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن إعراض المعرضين وتكذيب المكذبين فلا يشقى بهم، فلهم أجل معلوم. ولا يحفل بما أوتوه من متاع في الحياة الدنيا فهو فتنة لهم. وينصرف إلى عبادة الله وذكره فترضى نفسه وتطمئن. ولقد هلكت القرون من قبلهم، وشاء الله أن يعذر إليهم بالرسول الأخير، فلينفض يده من أمرهم ويكلهم إلى مصيرهم.
{قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى}..
{كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملًا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما}.
كذلك القصص الذي أوحينا إليك بشأن موسى نقص عليك من أنباء ما قد سبق. نقصه عليك في القرآن ويسمى القرآن ذكرًا، فهو ذكر لله ولآياته، وتذكير بما كان من هذه الآيات في القرون الأولى.
ويرسم للمعرضين عن هذا الذكر ويسميهم المجرمين مشهدًا في يوم القيامة. فهؤلاء المجرمون يحملون أثقالهم كما يحمل المسافر أحماله.
ويا لسوئها من أحمال! فإذا نفخ في البوق للتجمع فالمجرمون يحشرون زرق الوجوه من الكدر والغم. يتخافتون بينهم بالحديث، لا يرفعون به صوتًا من الرعب والهول، ومن الرهبة المخيمة على ساحة الحشر. وفيم يتخافتون؟ إنهم يحدسون عما قضوا على الأرض من أيام. وقد تضاءلت الحياة الدنيا في حسهم، وقصرت أيامها في مشاعرهم، فليست في حسهم سوى أيام قلائل: {إن لبثتم إلا عشرًا} فأما أرشدهم وأصوبهم رأيًا فيحسونها أقصر وأقصر: {إن لبثتم إلا يومًا}. وهكذا تنزوي تلك الأعمار التي عاشوها على الأرض وتنطوي؛ ويتضاءل متاع الحياة وهموم الحياة؛ ويبدو ذلك كله فترة وجيزة في الزمان، وشيئًا ضئيلًا في القيمة. فما قيمة عشر ليال ولو حفلت باللذائذ كلها والمتاع؟ وما قيمة ليلة ولو كانت دقائقها ولحظاتها مليئة بالسعادة والمسرة. ما قيمة هذه أو تلك إلى جانب الآماد التي لا نهاية لها، والتي تنتظرهم بعد الحشر وتمتد بهم بلا انقطاع؟!
ويزيد مشهد الهول بروزا، بالعودة إلى سؤال لهم يسألونه في الدنيا عن الجبال ما يكون من شأنها يومذاك. فإذا الجواب يصور الهول الذي يواجهونه!
{ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلمًا ولا هضما}.
ويتجلى المشهد الرهيب فإذا الجبال الراسية الراسخة قد نسفت نسفًا؛ وإذا هي قاع بعد ارتفاع. قاع صفصف خال من كل نتوء ومن كل اعوجاج، فلقد سويت الأرض فلا علو فيها ولا انخفاض..
وكأنما تسكن العاصفة بعد ذلك النسف والتسوية؛ وتنصت الجموع المحشودة، وتخفت كل حركة وكل نأمة، ويستمعون الداعي إلى الموقف فيتبعون توجيهه كالقطيع صامتين مستسلمين، لا يتلفتون ولا يتخلفون وقد كانوا يدعون إلى الهدى فيتخلفون ويعرضون ويعبر عن استسلامهم بأنهم {يتبعون الداعي لا عوج له} تنسيقًا لمشهد القلوب والأجسام مع مشهد الجبال التي لا عوج فيها ولا نتوء!
ثم يخيم الصمت الرهيب والسكون الغامر: {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا}.. {وعنت الوجوه للحي القيوم}..
وهكذا يخيم الجلال على الموقف كله، وتغمر الساحة التي لا يحدها البصر رهبة وصمت وخشوع. فالكلام همس. والسؤال تخافت. والخشوع ضاف. والوجوه عانية. وجلال الحي القيوم يغمر النفوس بالجلال الرزين. ولا شفاعة إلا لمن ارتضى الله قوله. والعلم كله لله. وهم لا يحيطون به علمًا. والظالمون يحملون ظلمهم فيلقون الخيبة. والذين آمنوا مطمئنون لا يخشون ظلمًا في الحساب ولا هضمًا لما عملوا من صالحات.
إنه الجلال، يغمر الجو كله ويغشاه، في حضرة الرحمن.
{وكذلك أنزلناه قرآنًا عربيًا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرًا}. كذلك على هذا النسق نوعنا في القرآن من صور الوعيد ومواقفه ومشاهده لعله يستجيش في نفوس المكذبين شعور التقوى، أو يذكرهم بما سيلقون في الآخرة فينزجروا. فذلك إذ يقول الله في أول السورة. {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى} ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلاحق الوحي فيردد ألفاظ القرآن وآياته قبل أن ينتهي الوحي مخافة أن ينسى. وكان ذلك يشق عليه. فأراد ربه أن يطمئن قلبه على الأمانة التي يحملها.
{فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علمًا}..
فتعالى الله الملك الحق. الذي تعنو له الوجوه؛ ويخيب في حضرته الظالمون ويأمن في ظله المؤمنون الصالحون.. هو منزل هذا القرآن من عليائه، فلا يعجل به لسانك، فقد نزل القرآن لحكمة، ولن يضيعه. إنما عليك أن تدعو ربك ليزيدك من العلم، وأنت مطمئن إلى ما يعطيك، لا تخشى عليه الذهاب. وما العلم إلا ما يعلمه الله فهو الباقي الذي ينفع ولا يضيع. ويثمر ولا يخيب..
ثم تجيء قصة آدم، وقد نسي ما عهد الله به إليه؛ وضعف أمام الإغراء بالخلود، فاستمع لوسوسة الشيطان: وكان هذا ابتلاء من ربه له قبل أن يعهد إليه بخلافة الأرض؛ ونموذجًا من فعل إبليس يتخذ أبناء آدم منه عبرة. فلما تم الابتلاء تداركت آدم رحمة الله فاجتباه وهداه..
والقصص القرآني يجيء في السياق متناسقًا معه. وقصة آدم هنا تجيء بعد عجلة الرسول بالقرآن خوف النسيان، فيذكر في قصة آدم نقطة النسيان. وتجيء في السورة التي تكشف عن رحمة الله ورعايته لمن يجتبيهم من عباده، فيذكر في قصة آدم أن ربه اجتباه فتاب عليه وهداه. ثم يعقبها مشهد من مشاهد القيامة يصور عاقبة الطائعين من أبنائه وعاقبة العصاة. وكأنما هي العودة من رحلة الأرض إلى المقر الأول ليجزى كل بما قدمت يداه.
فلنتبع القصة كما جاءت في السياق:
{ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزمًا}..
وعهد الله إلى آدم كان هو الأكل من كل الثمار سوى شجرة واحدة، تمثل المحظور الذي لابد منه لتربية الإرادة، وتأكيد الشخصية، والتحرر من رغائب النفس وشهواتها بالقدر الذي يحفظ للروح الإنسانية حرية الانطلاق من الضرورات عندما تريد؛ فلا تستعبدها الرغائب وتقهرها. وهذا هو المقياس الذي لا يخطئ في قياس الرقي البشري. فكلما كانت النفس أقدر على ضبط رغائبها والتحكم فيها والاستعلاء عليها كانت أعلى في سلم الرقي البشري.
وكلما ضعفت أمام الرغبة وتهاوت كانت أقرب إلى البهيمية وإلى المدارج الأولى.
من أجل ذلك شاءت العناية الإلهية التي ترعى هذا الكائن الإنساني أن تعده لخلافة الأرض باختبار إرادته، وتنبيه قوة المقاومة فيه، وفتح عينيه على ما ينتظره من صراع بين الرغائب التي يزينها الشيطان، وإرادته وعهده للرحمن. وها هي ذي التجربة الأولى تعلن نتيجتها الأولى: {فنسي ولم نجد له عزمًا} ثم تعرض تفصيلاتها:
{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى}..
هكذا في إجمال، يجيء هذا المشهد الذي يفصل في سور أخرى، لأن السياق هنا سياق النعمة والرعاية.. فيعجل بمظاهر النعمة في الرعاية:
{فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى}.
وكانت هذه رعاية من الله وعنايته أن ينبه آدم إلى عدوه ويحذره غدره، عقب نشوزه وعصيانه، والامتناع عن السجود لآدم كما أمره ربه. {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} فالشقاء بالكد والعمل والشرود والضلال والقلق والحيرة واللهفة والانتظار والألم والفقدان.. كلها تنتظر هناك خارج الجنة؛ وأنت في حمى منها كلها ما دمت في رحاب الفردوس.. {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى}.. فهذا كله مضمون لك ما دمت في رحابها، والجوع والعري، يتقابلان مع الظمأ والضحوة. وهي في مجموعها تمثل متاعب الإنسان الأولى في الحصول على الطعام والكساء، والشراب والظلال.
ولكن آدم كان غفلًا من التجارب. وهو يحمل الضعف البشري تجاه الرغبة في البقاء والرغبة في السلطان. ومن هذه الثغرة نفذ إليه الشيطان:
{فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى}.